الشنقيطي
5
أضواء البيان
فهذه الروايات الصحيحة الثابتة ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه صلى الله عليه وسلم أحرم حين استوت به راحلته قائمة واضحة فيما ذكرنا ، من أن أول وقت الإحرام ، عندما يركب حالة شروعه في السير من الميقات . وقال مسلم في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك عن موسى بن عقبة ، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه رضي الله عنه يقول : بَيْدَاؤكُم هذه التي تكذبون عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ما أهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا من عند المسجد يعني ذا الحُلَيْفَةِ ، وحدثناه قتيبة بن سعيد ، حدثنا حاتم يعني : ابن إسماعيل ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم قال : كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قيل له : الإحرام من البَيْداءِ قال : البيداء التي تَكْذِبُونَ فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند الشجرة ، حين قام به بعيره . وفي لفظ لابن عمر رضي الله عنهما عند مسلم : فإني لم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهلُّ حتى تنبعث به راحلته . وفي لفظ له أيضاً عند مسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا وضع رجله في الغَرْزِ ، وانبعثت به راحلته قائمةً أهَلَّ من ذي الحُلَيْفَة . وفي مسلم عنه ألفاظ أخرى متعددة بهذا المعنى ، ومراد ابن عمر رضي الله عنهما بكذبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإحرام من البيداء هو ما رواه البخاري ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، بلفظ : فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته ، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه . الحديث ، وما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه أيضاً ، عن أنس بن مالك بلفظ قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن معه بالمدينة الظهر أربعاً والعصر بذي الحُلَيْفَة ركعتين ، ثم بات بها ، حتى أصبح ، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسَبَّح ، وكَبَّر ، ثم أهَلَّ بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما . الحديث . ومراد ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل محرماً حين استوت به راحلته قائمة من منزله بذي الحليفة ، قبل أن يصل البيداء ، ووجه الجمع بين حديث ابن عمر ، وحديث ابن عباس ، وأنس معروف عند أهل الحديث ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ إهلاله حين استوت به راحلته قائمة فسمعه قوم ، ثم لما استوت به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى فحدَّث كل واحد منهم بما سمع . وقال بعضهم : أحرم في مصلاه فسمعه بعضهم ، ولم يسمعه ابن عمر ، حتى استوت به راحلته ، وجزم ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدل على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به ، فالأحاديث متفقة ومراد ابن عمر بالإنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه